ندعو الله لحفظ أطفالنا
فبراير 10, 2010أطفالنا
فبراير 10, 2010“…إِلهِي إِلهِي هؤلاءِ الأَطْفالُ فُرُوعُ شَجَرَةِ الحَياةِ وَطُيُورُ حَدِيقَةِ النَّجَاةِ، لآلِئُ صَدَفِ بَحْرِ رَحْمَتكِ وَأَوْرَادُ رَوْضَةِ هِدَايَتِكَ. رَبَّنا إِنَّا نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَك َ وَنَتَضَرَّعُ إِلَى مَلَكُوتِ رَحَمَانِيَّتِكَ أَن تَجْعَلَنا سُرُجَ الهُدَى وَنُجُومَ أُفُقِ العِزَّةِ الأَبَدِيةِ بَيْنَ الوَرَى … “
أبذلي قصارى جهدكِ بأن تحبي الأطفال خلال وجودهم حولك، وأفني نفسكِ في خدمتهم، ولا تبخلي عنهم بالمحبة والشفقة، عليكِ أن تقدري هذه الهبة الإلهية ألتي وهبها الله لكِ، وقومي على تحفيزهم وتشجيعهم وضمهم إلى صدركِ دوماً وخاصة عندما يصدر منهم أي سلوك جميل، هذه الفرحة التي أنت فيها الآن لا تعوض ولا تدوم كثيراً، استمتعي بتلك اللحظات الحلوة التي تجدين تلك الأيدي الناعمة تمسك بيدك وأنت ترافقهم في الطرقات، وكذلك اللحظات التي تسمعين خطواتهم الخفيفة من حولكِ وتتعالى ضحكاتهم وهم يلقون عليك أسئلة كثيرة جداً وغريبة أحياناً ومحيرة تارة أخرى، ولا تنس تلك الأيدي الرقيقة التي تلتف حول رقبتك لتطبع على وجنتك قبلة حارة. كل ذلك لا تدوم كثيراً، وخاصة تلك الأجسام الصغيرة عندما تركع بجانبك وأنت في الصلاة وشفاهم تترنم بالدعاء والمناجاة، اغتنمي الفرصة وأغدقي عليهم بالحب والحنان، فمن أجلهم قدمي الكنز الكبير الذي تحملينه في قلبكِ. وأملئ أيامهم بالفرح والبهجة والسرور وشاركيهم فرحتهم وسرورهم، استمتعي بضحكاتهم الرنانة و باللعب معهم والاهتمام بهم في هذه المرحلة الجميلة من حياتهم لأنها تمر علينا كومضات سريعة لا يمكننا إعادتها مرة أخرى.
التربية الروحانية
يناير 21, 2010{ إن الإنسان بمثابة فولاذ جوهره مستور، فبالتربية والنصيحة والذكر والبيان يظهر ذلك الجوهر عياناً وأما إذا بقي على حاله فسوف يعدمه صدأ مشتهيات النفس والهوى.}
إذن ما هي التربية؟
” التربية هي التي تجعل الإنسان إنساناً،التربية هي التي تجمع الشرق والغرب تحت راية حكم الإنسان، التربية هي التي تروج هذه الفنون والعلوم العظيمة، التربية تجعل الغصن المعوج مستقيماً وتجعل الأجمة حديقة،وتجعل الشجرة عديمة الثمر مثمراً وتجعل الأرض الشائكة حقلاً للسنابل.والتربية تجعل الجاهل كاملاً، التربية تجعل الإنسان عالماً بالملكوت الإلهي وتجعله ينال معرفة الله وتجعل الإنسان روحانياً وكاشفاً لأسرار الطبيعة ومطلعاً على حقائق الأشياء.”
ولكن التربية على ثلاثة أنواع تربية جسمانية، وتربية إنسانية، وتربية روحانية،
فالتربية الجسمانية هي لنشوء الجسم ونموه وذلك يكون بتسهيل سبل المعيشة وتوفير أسباب الراحة والرفاهية التي فيها يشترك الإنسان والحيوان.وأما التربية الإنسانية فهي التي يمتاز الإنسان عن الحيوان، لأنها عبارة عن المدنية والترقي والسعادة، يعني السياسة والنظام والتجارة والصناعة والعلوم والفنون والاكتشافات العظيمة…
ولكن ما المقصود بالتربية الروحانية؟
التربية الروحانية هي تربية إلهية فهي تربية ملكوتية، وهي اكتساب كمالات إلهية، وهي التربية الحقيقة، وتعتبر أصل التربية.
وهي عبارة عن تربية القوى الروحية، وإيجاد العشق والحب الإلهي في قلوب الأطفال. أي تقوية وترسيخ الفضائل الإنسانية والكمالات الروحانية في قلوب و أرواح الأطفال بحيث يتقبل الفرد نفسه ويتقبل الآخرون. التربية الروحانية والتربية المادية ضروريتان جداً لنشأة الطفل، ولا يمكننا إهمال أي واحدة منهما على حساب الآخر، كذلك علينا أن نعرف أن التربية المادية تكون في خدمة التربية الروحانية. فلذا يجب أن نهتم بالتربية المادية كي نستطيع أن نهيئ الجو الملائم للتربية الروحانية.
يعتبر الطفل مصدراً هاماً من مصادر حياة الإنسان فلذا يجب الاهتمام بصحته الجسمية والنفسية والعقلية حتى يتمتع بقوى ذهنية وسلامة صحية جيدة. فهذه مرحلة مهمة جداً حيث يستوجب تعليمه كيف يسخر هذه الصحة والقوة والثروة في خدمة الحقيقة الإنسانية. فمن واجب الآباء والأمهات ألا يجعلا التربية هدفاً للوصول إلى الثروة، أي بمعنى آخر أن لا نربي الطفل كيف يصبح مليونيراً.
أن البنية الأساسية واللبنة الأولى في التربية هي التوجه إلى تربية أطفالنا تربية إلهية، فهنا يراودنا هذا السؤال كيف يمكننا أن نربي أطفالنا تربية روحانية ؟
إن صلاح أي مجتمع مرهون بصلاح بناءه… و لا يُصلح البناء إلا بصلاح اللبنة الأساسية التي يقوم عليها البناء ومدى قوتها وثباتها في مواجهة عوامل التعرية وضربات الزمن… وكذلك بالنسبة لأي مجتمع لن يصلح حتى تصلح هذه اللبنة، مثلاً الشجرة لن تقوم إلا بجودة التربة وصلاح البذرة حتى تتجذر الجذور الراسخة وتعلو الساق وتخضر الأوراق وتنبتُ الأزهار فتجني ثمارا ناضجة طيبة.وكما أنه لابد من وجود الشجرة فإنه لابد من بقائها على وقفتها لذا فهي بحاجة لمن يسقيها و يتعهدها ويراعي حاجاتها، وحتى يتم البناء ويثبت على أساس قوي لابد من إحكام اللبنة الأساسية، ألا وهي الأسرة. والعناية بالأسرة يبدأ قبل تكوينها، وهذا موضوع آخر.
تبدأ تربية الأطفال وهم أجنة في بطون أمهاتهم،إن الطفل يستشعر حب الله وهو لا يزال في رحم أمه، وذلك من خلال الأم المؤمنة والأب المؤمن ، عندما يمتلئ قلب الأم بخشية الرحمن وتقوى الله فعليها أن تتلو الآيات الإلهية يومياً وباستمرار وبصوت مسموع بحالة من الخشوع ، فإن مشاعرها تنتقل إليه بقدرة الله تعالى، فقد أثبتت الدراسات بأن الطفل وهو في بطن أمه يلتقط لهجة أمه ويستخدم تلك اللهجة حين يبكي.
فعلينا الاعتناء بتربية الأطفال تربية إلهية منذ نعومة أظفارهم عن طريق إلقاء محبة الله و حب رسله وأنبيائه ( مظاهر أمره ) في قلوبهم.
v تبدأ الأم بارتباط اسم الله في ذهن الطفل الرضيع أثناء إرضاعه وكذلك بعد أن الانتهاء من الرضع.
v عند نوم الطفل عليها أن تترنم بترانيم دينية جميلة أو الأغاني الشعبية الجميلة التي كنا نسمعها على لسان أمهاتنا. ولابد أن كل منها فيها عبارات أو كلمة الله جل جلاله.
v و في الصباح يستيقظ الطفل على صوت الآيات الإلهية إما بواسطة المسجل أو على لسان أمه و هي تتلو بصوتها الهادئ الحنون.
v عندما يكبر الطفل بالعمر قليلاً تقص الأم عليه حكايات عن الفضائل الأخلاقية على لسان الحيوانات والطيور ومن ثَم قصص الأنبياء والبطولات .( يستمتع الطفل أن يكون بطل من أبطال هذه الحكاية الجميلة، ولكن عليها أن تحذر من القصص والحكايات المخيفة. )
فتأتي طاعته لله وتغرس في قلبه خشية الرحمن، فيعرف الطفل فيما بعد بأن قلبه وفؤاده مملوءة بعشق الله، فيتقبل إطاعة أوامره المنزلة في الكتاب عن المحبة التي تكن في قلبه عن خالقه. فيتحلى الطفل بتقوى الله التي هي بدورها عبارة عن خشية الرحمن. و الخشية عبارة عن الخوف من الله ليس من العذاب أو العقاب وإنما الخوف من الحرمان من رحمة وعناية الله، وإذا حرم الإنسان من ألطاف الله تبارك و تعالى فإنه يكون قد ابتلى بعذاب أعظم من النار.
تحتاج تربية الأطفال لرؤية مرسومة وسياسة مضبوطة من قبل كل من الأب والأم على حد سواه لتمشي بسلام وتسلك الطريق الصائب المؤدي إلى:
- بلوغ الكمال الإنساني، مع أن الكمال لله وحده، ولكن الإنسان يجب أن يتصف بالكمال باعتباره خليفة الله على الأرض، قال تعالى:
” إني جاعل في الأرض خليفة” وأيضاً ” لنعملن الإنسان على صورتنا ومثالنا”
- تحقيق السعادة للإنسان في الدنيا والآخرة.
– تقبل الطفل القيام بواجباته الشرعية من الصلاة والصيام وبقية الأحكام الإلهية حباً لله وسعياً لطلب مرضاته.
فلذا يجب علينا نحن كوالدين أولاً أن نبذل قصارى جهدنا للتحلي بالفضائل الإنسانية، ونقوم بأداء فرائضنا الدينية، ونبتعد عن الغيبة والنميمة التي هي من أكبر النواهي، ونكون على استقامة وطول البال فيما نطلبه من أطفالنا، ولا نتأثر ونتهاون أمام طلبات الأطفال، فعندما يرى الطفل والديه على هذه الصورة من الخشية بالله ، فيحتذي بهما وخاصة بأمه، ويرق قلبه وتصير التقوى صفة لازمة له، و تنعكس أشعة محبة الله والعشق الإلهي على وجوه أطفالنا وفلذات أكبادنا، وتبث فيهم روح الحياة. وهكذا تنتقل مشاعر الأم المؤمنة إلى قلب هذا البرعم الصغير، والطفل المتقي بالله يضع نصب عينيه بأن غاية الله سبحانه وتعالى من خلق الإنسان و إرسال الأنبياء والمرسلون هي من أجل هداية الناس إلى الصراط المستقيم و تربية العباد بالصفات الحسنة وأخلاق الله لحين عروجهم إلى الرفيق الأعلى يتصفون بكمال التقديس والتنزيه.
فإذن علينا بأن نكون على اليقين :
” خشية الله هي العلة الأولى لتربية الخلق…”
وبعدما تصبح خشية الرحمن وتقوى الله صفة متلازمة لأطفالنا نكون قد أمنا مستقبلهم، وأدينا دين الله علينا في تربية أطفالنا بالتربية الروحانية، حينئذ يزول عنا الخوف و القلق من مستقبل أطفالنا.
تهنئة بالعام الجديد
ديسمبر 30, 2009
لم يبق على استقبال السنة الجديدة 2010 ميلادية سوى ساعات قليلة جداً، و لا ندري ماذا يخبئ القدر لنا في هذا العام الجديد، مضى عام كامل من عمرنا ، فعلينا أن نقف وقفة التأمل فيما جنينا مما مضى علينا. هل قمنا بالأعمال عمت فائدتها على مجموعة من الناس؟ هل أصلحنا من أنفسنا ؟ هل أمسكنا بيد مسكين أو عاجز ورفعناه عن الأرض؟ هل نقوم بحق الجيرة كما هو مطلوب منا ؟ و… ،
ولكن عن نفسي لقد قصرتُ كثيراً في كل شيء. على العموم مع حلول السنة الجديدة سنة 1431 الهجرية وسنة 2010 ميلادية يطيب لي أن أبارك للجميع قدوم عام جديد علينا ونرفع أيادي الرجاء معاً مع هذه المناجاة إلى الله تعالى.
” إلهی إلهی تَری قَدِ اشْتَدَّ الظَّلامُ الحالکُ عَلی کُلِّ المَمالِکِ وَ احتَرَقتِ الآفاقُ مِنْ نائِرةِ النِّفاقِ وَ اشتَعَلَتْ نِيْرانُ الجِدالِ وَ القِتالِ فی مَشارِقِ الأرض وَ مَغاربِها فَالْدِّماءُ مَسْفوکَةٌ وَ الاَجسادُ مَطروحَةٌ وَ الرُّؤُوسُ مَذْبُوحَةٌ عَلَی التُّرابِ فِی مَيدانِ الجِدالِ رَبِّ رَبِّ ارْحَمْ هؤلاءِ الجُهَلاءِ وَ انْظُرْ اِلَيْهِمْ بِعَين الْعَفْوِ وَ الْغُفرانِ وَ أَطْفِ هذِهِ النِّيرانَ حَتَّی تَنْقَشِعَ هذِهِ الْغُيُومُ الْمُتَکاثِفَةُ فِی الآفاقِ حَتَّی تُشرِقَ شَمْسُ الحَقِيْقَةِ بأنوار الوِفاقِ و يَنکَشِفَ هذا الظَّلامُ وَ يَسْتَضِيْءَ کُلُّ المَمالِکِ بأنوار السَّلام رَبِّ أَنْقِذْهُمْ مِن غَمَراتِ بَحْرِ البَغضاءِ وَ نَجِّهِمْ مِن هذِهِ الظُّلَماتِ الْدَّهْماءِ وَ ألف بَينَ قُلوبِهِمْ وَ نَوِّرْ اَبْصارَهُمْ بِنُورِ الصّلحِ وَ السَّلام …”
يا رب وفق عبادك وإمائك في هذه السنة الجديدة للوصول إلى طريق السلام والمحبة و أن ترفرف راية الوحدة والاتحاد بين البشرية كافة، حتى تزول جميع أنواع التعصبات فيما بين الإنسانية ،لأن التعصبات هي التي تخل وتهدم نظام العالم ومنها التعصب بين الأديان والأوطان والأجناس والألوان.
عمر مديد بالصحة والسعادة والأمان للجميع وخاصة أطفالنا الأعزاء.
وكل عام وأنتم بألف خير وسعادة إنشاء الله.
الأب المثالي
ديسمبر 27, 2009في الحقيقة ما دعاني لنشر هذا الفيديو المؤثر هو النقاش الذي دار بيني وبين صديقتي حول الفرق الكبير بين الآباء والأمهات في الشرق و بين الأمهات وآباء في الغرب، حيث كانت تقول أن الآباء والأمهات في الغرب لا يهتمون بتربية أولادهم وكذلك أنهم أناس يفتقدون الحب والحنان تجاه أطفالهم وخاصة الأطفال ذو الاحتياجات الخاصة. ولكنني أرى غير ذلك، لأن الله زرع في قلب كل إنسان الحب والحنان وخاصة في قلوب الآباء والأمهات. حيث أن هناك حديث قدسي يدل على حب الله للإنسان
” كنتُ كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقتُ الخلق لكي أعرف”
الله سبحانه وتعالى علمنا الحب وخلقنا كي نحبه ونعبده.
وأيضاً هذا النص الجميل من كلمات الحكمة الربانية:
” أصل الحب هو إقبال العبد إلى المحبوب والإعراض عما سواه ولا يكون مراده إلا ما أراد مولاه.”
فالمحبة والحنان ليس لهما بلد معين أو شعب متميز، من في قلبه ذرة من حب مولاه يرضى بما يهبه الله له ويقوم على خدمته. فأعرف شخصياً صديقة ثرية لي تخلت عن طفلتها عندما أتت إلى الوجود دون يدين، فلم تتأخر بل أخذتها منذ السنة الأولى من ولادتها وأودعتها بإحدى المراكز المعاقين في إحدى الدول الأوربية، وعندما قابلتها منذ فترة بسيطة وسألتها عنها قالت إنها لا زالت موجودة وكلما سافرت في مهمة خاصة أمر عليها وأشوفها،فقالت أن البنت لا تعرفني سوى كزائرة سنوية.
عكس هذه الأم هناك أيضاً آباء مثاليين.
قال ابن معاق لأبوه:
أتمنى أن أشترك في سباق الماراثون القادم الذي يتكون من 4 كيلومترات سباحة و180 كيلومتراً بالدراجة الهوائية و 42 كيلو متر جري، وأر يدك أن تكون معي
فوافق الأب على طول عشان خاطر ابنه
أرجو منكم الضغط على الرابط كي تشاهد هذا الأب المثالي والموقف المؤثر جداً
الأطفال هم أمل المستقبل
ديسمبر 22, 2009أعزائي القراء أعتذر كثيراً عن غيابي الطويل عن المدونة بسبب ظروفي الخاصة، وها أنا اليوم معكم نبدأ بموضوع جديد عن أنواع التربية وأي نوع من التربية ذو أهمية خاصة لتربية جيل صالح يتحلى بتقوى الله وخشيته.
” من تمسك بالتقوى الخالص إنه أهل الله يشهد بذلك ما نُزل في الفرقان ثم في كُتب النبيين.”
ذات يوم كنتُ جالسة على مقعد الحديقة وانشغلتُ بقراءة الكتاب الذي كان بين يدي، وصلتُ إلى هذه الجملة : { الأطفال هم أغلى وأثمن كنز يمتلكه المجتمع،فأنهم الأمل والضمان للمستقبل حيث يحملون معهم بذور خصائص مجتمع الغد ومواجهة تداعياته… } استغرقتُ ملياً بالتفكير جاهدة أن أوافق بين الخصائص والمتطلبات العامة للأطفال وبين التحديات والصعوبات التي تنتظرهم في المجتمع مستقبلاً. فجأة انقطع حبل أفكاري على صوت ضحكات وقفزات طفل صغير لا يتجاوز الثانية أو الثالثة من العمر، ويراقبه عيون والده الذي يظهر عليه التعب والإرهاق الشديد، ومع هذا كان يستمتع وينتهز الفرصة في مداعبة طفله الصغير. في هذه الأثناء جلست سيدة بجانبي على المقعد، وعندما رأت قفزات الأطفال وتعالي أصواتهم، تنهدتَ بحرقة و بصوت مرتفع، نظرتُ إليها بدهشة وقلتُ لها: ما أجمل هؤلاء الأطفال ببهجتهم و سرورهم يزول كل التعب والمشقة عند الإنسان، فأصواتهم وضحكاتهم يعطينا الدافع للحياة، أليس …! قاطعتني بنظرة مكتئبة وصوت حزين وقالت: ” لابد أن ندفع تكاليف باهظة مقابل فرحتهم هذه، التكاليف المادية والجسمية التي لا تنتهي أبداً، ويا ليت يرضيهم هذا وانهمرت الدموع من عينيها فقلتُ لها: عذراً سيدتي ماذا تقصدين بكلامكِ هذا ؟ هل قضاء وقت ممتع مع الأطفال واللعب معهم بحاجة إلى تكاليف باهظة ! أنه، فقط يحتاج لقليل من الهدوء والراحة النفسية والعيش في عالمهم الخيالي و…، قاطعتني مرة أخرى قائلة: من الواضح أنكِ لا تعرفي شيئاً عن الأطفال، وليس لديك خبرة في التعامل معهم. قلتُ لها: عكس مما تتصورين فأنا كنتُ وما زلتُ أعمل في مجال الأطفال وتربية معلميهم، قالت مندهشة: يا للعجب كيف لكِ أن تعملي مع الأطفال كل هذه السنوات الطويلة ولم تلاحظي إلى حاجاتهم الملحة التي لا تنتهي، أنا لدي طفلان، قبل ولادة طفلي البكر والذي يبلغ الآن العاشرة من عمره، قررتُ و زوجي أن نوفر له كل متطلبات الحياة،وجهزنا له غرفة خاصة بجميع وسائل الترفيه .أي أنني وزوجي لم نقصر عليه من الناحية الجسمية والمادية وفرنا له كل شيء من الألف إلى الياء، وكذلك بالنسبة لولدي الثاني، أردنا أن نكون نِعم الوالدين لهما، بحيثُ لا يشعرا يوما بالنقص المادي في حياتهما، سعينا كثيراً بأن لا يمروا بالتجربة التي مررنا فيها ونحن أطفال، أتذكر عندما كنتُ طفلة كان عليّ أن انتظر أشهر بل سنوات لكي يحضر لي والدي دمية أو سيارة صغيرة لأخي، وكذلك كان علينا أن ننتظر مع أخوتي أسبوع كامل لنحصل في يوم الجمعة على كأس صغير من البوظة ( ايس كريم).
فنحن كي نوفر كل أسباب الراحة والرفاهية لأولادنا، اضطر زوجي أن يعمل دوامين ( صباحاً ومساء)، وفي الليل يصل إلى البيت متأخراً ومرهقاً، أما أنا أصبحتُ خادمة و سائقة لأولادي، أخذهم من برنامج إلى نشاط آخر ومن نادي إلى نادي آخر حتى يكونوا دائماً في الطليعة ولا ينقصهم شيء عن أقرانهم وعن بقية أولاد العائلة. كنتُ أتمنى أن أتعلم التحدث باللغة الإنجليزية بطلاقة، ولكن أين الوقت؟ نسيتُ نفسي وأهلي حتى أمي المريضة تركتها في منزلها مع الخادمة وهي التي تقوم برعايتها.وأنا الابنة الوحيدة لا أجد الوقت للسؤال عنها أو زيارتها، وكذلك بالنسبة لحماتي ( أم زوجي) أودعناها في دار المسنين ولم نسأل عنها أبداً، لأننا منهمكين في تلبية طلبات أولادنا.
عندما انتهت السيدة من شكواها وأنينها وأيضاً عندما أسمع شكاوي أمهات كثيرات من أمثالها، بادر بذهني ما قرأته منذ لحظات بأن الأطفال هم أمل المستقبل وأغلى كنز لمجتمع الغد،وهم الذين يحملون معهم بذور خصائص عصرهم ليواجهوا تحديات مجتمع الغد، وكنتُ أتأمل وأفكر بما قرأته وما سمعته من هذه السيدة وغيرها ،فقلتُ في نفسي ما مصير مجتمع الغد و مستقبل هؤلاء الأطفال لو تعم هذه الخصائص جميع الأطفال ،وفجأة لاحظتُ البستاني الذي كان يقوم بتقليم الأشجار وتنظيم وتنسيق الأزهار بدقة فائقة، فوجدت بأن عمل هذا البستاني مطابق لهذا القول: ” أن الأطفال بمثابة غرسه طرية بالتربية الصحيحة يمكن جني ثمارها تماماً كما يعمل هذا البستاني المدرك بأمور الزراعة ومتطلباتها الرئيسية والحاجيات الملحة للتنسيق والتقليم والتربة والجو … فأنه في النهاية سوف ينتظر من عمله هذا جني الثمار المفيدة. و أما إذا كان هذا البستاني يجهل أمور كثيرة من فنون الزراعة والري فعليه أن لا ينتظر جني الثمرة قط.
كذلك بالنسبة للآباء والأمهات فوظيفتهم مع تربية أطفالهم بمثابة هذا البستاني إن لم يكونا على دراية كاملة بأصول التربية والتعليم ويتجاهلا الحاجات الأساسية لتربية فلذات أكبادهم، فلا بد أن تكون نتيجة جهودهم فاشلة.
ما أريد قوله هو أن من واجب الآباء الأعزاء والأمهات الحنونات أن يكونوا على دراية كاملة لجميع جوانب التربية لأن التربية على ثلاثة أنواع:
-
التربية الجسمانية
-
التربية الإنسانية
-
التربية الروحانية
يقصد بالتربية الجسمانية: ترقي الجسم والاعتناء بالصحة والعافية وتناول الأغذية المفيدة التي تقي الجسم من الأمراض وكذلك ممارسة أنواع مختلفة من الرياضة، وعند المرض الرجوع إلى الحذاق من الأطباء. أي كل ما يحتاجه الجسم و ضرورياً لنموه. هذا النوع من التربية يشترك فيه الإنسان والحيوان. و من الملاحظ أن الآباء والأمهات يهتمون كثيراً بهذا النوع من التربية ويضحون بوقتهم ومالهم لإسعاد فلذات أكبادهم حتى أنهم يتجهون إلى الإسراف فيها.
أما التربية الإنسانية : فهي عبارة عن المدنية والترقي والنمو فهي مرتبطة بالعلوم والفنون المختلفة والسياسة والنظام والتجارة والصناعة والاختراعات والاستكشافات المتنوعة، هنا يتميز الإنسان عن الحيوان، ففي هذا المجال يسعى الآباء والأمهات في توفير كل أسباب الراحة والرفاهية والاهتمام بالناحية الإنسانية لأولادهم ، على الرغم كل هذا المجهود الذي يبذله الآباء والأمهات إلا أن كل من الطرفين الوالدين والأولاد غير راضين بنتائج تربيتهم، فيبادر إلى أذهاننا لماذا لا يُقدر الأولاد تعب ومشقة أبائهم، لماذا هم غير راضين عن آبائهم؟ لماذا الآباء أيضاً ليسوا راضين عن أبنائهم ؟ إذن أين تكمن المشكلة الآن ؟؟ لماذا بالرغم الجهود المبذولة من قبل الآباء والأمهات بصرف وقتهم وأموالهم وصحتهم ويسعون بكل جهدهم إلى توفير التربية الجسمية والإنسانية لأطفالهم، وما زلنا نحن الآباء والأمهات والأولاد لسنا راضين عن بعضنا البعض. مع أن تربيتنا كانت محصورة بين هذين البعدين على أكمل وجه ولكننا لم نستطع أن نربي إنساناً كاملاً أو بالأحرى مواطناً صالحاً. لماذا ؟؟ لأن جسد البشري و العقل دائماً عرضة للتغيير والتحولات و لديه قابلية بأن يتعرض للأمراض المختلفة، فهذا النوع من الإنسان الذي يجعل نفسه محصوراً بين هذين البعدين من التربية، يمكننا تشبيهه بشيء معلق معرض للسقوط والزوال. فالإنسان بحاجة إلى شيء يُستند إليه ويتكأ عليه بحيث لا يتعرض للتغيير والتبديل وهذا لا يمكن سوى بالتربية الروحانية، هذا النوع من التربية مع أننا ذكرناه بعد التربية الجسمية والإنسانية إلا أنه ذو أهمية كبيرة ويعتبر في المرتبة الأولى.
نعم أن التربية الروحانية تشمل ارتباط الإنسان بالخالق عز وجل واكتساب الفضائل الإنسانية، هذا النوع من التربية يكون سبباً في جلاء وصقل روح الإنسان، وتصبح الروح في حالة الطيران وتكون أكثر خفة من الجسم ، فعلينا أذن أن نضيف هذا النوع من التربية إلى النوعين السابقين، ونكرس جهودنا على التربية الروحانية، حتى نجني ثمرة تعبنا ومجهودنا في تربية أطفالنا وبذلك يصبح لدينا أطفال يتمتعون بخيال واسع النطاق ولديهم القدرة الكافية للتغلب على المشكلات والمصائب الصعبة التي تواجههم في حياتهم اليومية، وأيضاً يستطيع هذا الطفل أن يقدر ويحترم كل الذين يوفرون له المساعدات، ويقتنع برزقه ويبتعد عن الطمع والجشع، يستمتع بالبهجة والسرور مبتعداً عن الكآبة، بعبارة أخرى يكون طفلاً يستمتع بالصحة الروحانية. للوصول إلى هذا النوع من الأطفال يستلزم على الوالدين العناية بتربية الفضائل الإنسانية في أنفسهم أولاً ومن ثَم حماية أطفالهم بالاستفادة من تلك الفضائل، بهذه الطريقة نستطيع أن نؤمن لأطفالنا الحماية و المستقبل الزاهر.
عندما نقدر ونحترم كل إنسان من أجل قيمته الحقيقية، عندما نسعى أن نطهر أرواحنا و نبتعد عن جميع أنواع التعصبات، عندما يرتسم على وجوهنا ابتسامة جميلة ونحاول أن نكلم الآخر كلام لطيف بعيد كل البعد عن التجريح، عندما نحاول أن نضحي من أجل البشرية كافة بغض النظر إلى الجنس أو العِرق أو مستوى المعيشة الاجتماعية أو الدين أو اللون، عندما نتحكم في كلامنا وممارساتنا وسلوكياتنا بالصدق والأمانة، وأيضاً عندما يتحلى أفكارنا وأعمالنا بالفضائل الإنسانية، عندما نقوم بتدريب أطفالنا كل تلك الفضائل، حقيقةً استطعنا أن نقوم بالتربية الروحانية لأطفالنا.
بالتأكيد للوصول إلى آثار التربية الروحانية فإننا بحاجة إلى الكثير من التفكير و التأمل حتى يستطيع أطفال اليوم تهيئة مجتمع متعادل، ومتوازن ونبيل للعيش في عالم يشمله الصلح والسلام.
ستكون نتيجة تربيتنا هذه الكنوز الثمينة التي تشكل مصير مجتمع الغد. فلا يجب إهمال ذلك.
“ القيام بتربية الأطفال أمانة في رقابنا، فإذا تجاهل وغفل إي مجتمع في تربية أطفاله،فأنه لا يستطيع أن يكون في مأمن من العقوبة الإلهية.
إلى الحلقة القادمة بشرح أكثر وضوحاً عن مفهوم التربية الروحانية
الحلقة الأخيرة من الجوهرة المكنونة
أكتوبر 31, 2009مقتطفات مختصرة عن صلاح العزيز قبل صعوده إلى الرفيق الأعلى.
-
قبل شهر واحد من وفاته طلب من والدته أن تأخذه إلى وزارة الإعلام ( هيئة الإذاعة والتلفزيون ) ليرى المذيعات والمذيعين ويصور معهم أو يمثل معهم على المسرح، فبعد تردد كثير قمتُ بالاتصال بالرئيس التنفيذي للإذاعة والتلفزيون آنذاك السيد خليل الذوادي ( سفير مملكة البحرين حالياً لدى جمهورية مصر العربية) وحيثُ كنتُ على معرفة مع زوجته السيدة منى الهرمي، فرحب بنا كثيراً وبنفس اليوم أعطانا الموعد للذهاب إلى هيئة الإذاعة والتلفزيون. أمر هذا الرجل الشهم والكريم، المسئولين بتهيئة كافة وسائل الراحة له ووصى الجميع باستقباله استقبالاً حاراً وتنفيذ رغباته. قضى صلاح العزيز في تلك الأمسية وقتا ممتعاً، والعجيب في الأمر أنه مر بجميع الأقسام وفي كل قسم كان يقوم مسئول القسم بشرح وافي وكافي لصلاح العزيز عن قسمه وإنجازاتهم وعدد الموظفين. وهو يستمع إليهم ويهتم بكل صغيرة وكبيرة وأحياناً كان يسألهم بطريقته الخاصة وبمساعدة والدته لتوصيل أسئلته إليهم. يعني الكل أهتم به واحترموه كإنسان. وفي نهاية المطاف قاموا بمضايفته. وجاء السيد خليل الذوادي الرجل الشهم والمحترم لتوديعه، فقبله وصور معه أيضاً. بهذه المعاملة الحسنة وفي غاية الإنسانية التي قام بها الرئيس التنفيذي لهيئة الإذاعة والتلفزيون لقد أسعد قلب هذا الطفل البرئ حتى أنه كان يرقص فرحاً وابتهاجاً ويتباهي أمام الكل بأنه ذهب إلى التلفزيون وصور مع المذيعات والممثلين.
بارك الله فيك يا أستاذ خليل الذوادي وفي شهامتك وإنسانيتك لقد تعاملت مع صلاح الغالي بغاية اللطف والمحبة ، لقد عاملته كإنسان يحمل الروح الإلهي، وليس كطفل متخلف. وبارك الله فيكِ يا سيدة منى الهرمي، كلاكما نعم الزوجين المحبين في مساعدة الآخرين حيث ينطبق عليكما هذا البيان
” وإن استجاركم أحد من المؤمنين وكنتم مستطيعاً فآجروهُ
ولا تحرموه عما أراد”
بارك الله لكما في أبنائكما وحفظكما من كل مكروه.
دائماً أتذكر محبتكما تجاه الدرة الغالية صلاح وأتوجه بقلبي لله تعالى بهذا الدعاء:
“… أي رب أنزل البركة في سلالته وأولاده وفي أحفاده…
أي رب أحفظه من كل الموبقات وأبعده عن الآفات
و أحرسه من المؤتفكات.
إنك أنت العزيز المقتدر المهيمن الوهاب.
-
الحادث الآخر وحدث هذا قبل أسبوع من صعود روحه الطاهرة إلى ملكوت الأبهى، كانت الأم واقفة ذات مساء في شرفة المنزل مع صلاح الغالي وهما ينظران إلى الخارج ، فكان صلاح يعلق على المارة ويضحك مع أمه، فسكت فجأة واستغرق في تفكير عميق حوالي ثلاث دقائق أو أزيد، فقالت له أمه مازحة: بماذا تفكر يا الحبيب الغالي؟ ؟ ربما تخيلت فتاة جميلة وتبحث لها عن اسم جميل ،لكنه كان مستغرقاً في تفكيره العميق ولم يرد نشئ ، فأصرت عليه مرة أخرى أن يشاركها ما يدور في مخيلته
في هذه الأثناء كأنه أفاق من الرؤيا أتجه نحو أمه واخذ ينظر إليها نظرة حزينة ثم سألها: ماما، ماما ماذا تفعلين عندما أموت أنا ؟
قالت الأم: بسم الله عليك يا عمري لا تقل هذا عسى أمك أتموت، لا تكرر كلامك هذا ، أنت تعلم أن الماما أتحبك وايد وايد (كثيراً) ولا تقدر على فراقك ولا دقيقة، خلنا يا صلاح نكمل تعليقاتنا ونغير الموضوع. ولكنه كرر سؤاله مرة ثانية بحيث كان يرتسم على وجهه الجميل الملائكي ابتسامة حزينة وأصر على جواب يرضيه، مع أن مثل هذا السؤال كان غريباً على الدُرة المكنونة، وهو الذي إن مات أحد من معارفهم ، يحزن عليه كثيراً ويتقدم إلى أمه ويقول ماما قولي أن صلاح موت لا، ويكرر كثيراً أنا موت لا، أنا أحب الماما. ولكن لابد للأم أن ترد عليه حتى يقتنع الحبيب الغالي. قالت الأم: أولاً صلاحي موت لا.
ثانياً إن مات صلاح فهو يروح عند الله و يخليني وحيدة، (ظهر عليه الاضطراب وهو يصر عليها وماذا بعد تكلمي ماما ، وهو يهز برأسه وينظر بعيونه الصغيرة في عيون أمه قولي ،ها ، ماذا بعد !) استطردت الأم : قائلة نعم أصيح عليك وايد ( سأبكي عليك كثيراً )ولا أريد الحياة من بعدك، واشق ثيابي وأعفر وجهي بالتراب. ولا أحب أروح أي مكان فأقعد في البيت وأبكي.
ضحك صلاح الحبيب ضحكة طفولية وبصوت عالٍ وقال: ( الماما مينون ( مجنون) ،ماما موت لا ، أنا موت،أنا موت ) ثم أشار بيده وقال: ماما أبكي أشويه بس، وايد صياح لا ، الصراخ لا، آنه ( أنا) ما أبغي الماما حزينة وما أبغي الماما تتألم . بس أشويه صياح و جاء لي بكتاب الأدعية، وهو يطلب مني قراءة الدعاء، قلت له: عطني الكتاب فأقرأ لك. قال: لا! أنا موت! الماما تقرأ بس.
أعزائي القراء أنني أستمتع عندما أكتب أو أتذكر كلماته وطريقة تحدثه، فعذراً لكم مع أنني أدري أن كلامه ليس فيه مفهوميه لديكم. فالمقصود من الحديث الذي دار بيننا هو أنه كان مصراً أن لا تزعل أمه ولا تحزن عليه كثيراً، لأنه كان يتحلى بإحساسات رهيفة و لطيفة، في غاية اللطف والمحبة.
يا الله يا كريم يا ارحم الراحمين أفرغ السلوة والصبر على قلبي المجروح
-
قبل شهرين من صعوده إلى جوار ربه اخذ يتنازل عن كل ما يملك من ثيابه و الأشرطة الموجودة لديه سواء أشرطة الفيديو أو الموسيقى، ثم بدأ بألعابه ( كان لدية ألعاب كثيرة على الشخصيات الموجودة في التلفزيون ) وبعد ذلك أدواته الموسيقية. ألبوم صوره الذي كان محتفظاً به منذ صغره إلى آخر يوم في حياته، كل يوم كان يتخلص من مجموعة من الصور في الألبوم ، فوالدته كانت تأخذ كل ذلك وأثناء نومه تخفيهم في مكان حتى يتخيل أنها وزعتهم، ثم بدأ بتغير أغطية السرير والمخدة التي كان يستخدم لنومه.
أصبحت حجرته خاوية خالية عن كل شيء ، فظنت الأم أنه سئم من الأثاث الموجود لديه فعليها تبديل وتجديد كل ما لديه، فلذا كانت تشتري له أشياء جديدة ، ولكنه يمتنع و يصرخ بأعلى صوته ويقول خلاص انتهى كل شيء لا أريد المزيد من المشتريات لا أريد أي شيء.
-
قبل أسبوع من رجوع أخته من السفر طلب تغير غرفة نومه فنزل في حجرة شقيقته (( لأن حجرة أخته كانت قريبة من حجرة نوم والدته ) وعندما استفسرت الأم عن سبب هذا التغير المفاجئ في حياته قال: ( لا أريد حجرتي أبداً ، ماما أبغي أن أكون يمج (بجانبك) ماما آنا موت وأنا بعيد عن الماما، ( فهو يقصد بأنه يريد أن يكون في الحجرة القريبة من حجرة الأم ) كي تكون يقظة وتسمعه عندما يموت .
يا إله المستغاث كم أتألم الآن وأنا أكتب هذه الذكريات المؤلمة، لقد أدمى فؤادي وذابت كبدي يا لؤلؤتي الغالية.
افرغ علىّ صبراً من لدنك يا ربي الأعلى.
-
لدى الأم الكثيرا من الحوادث التي كانت توحي بطيران هذا الروح من مقامه الأدنى إلى المقام الأعلى ولكن الإنسان يكون دوماً في غفلة لا يعرف إلا بعد فوات الأوان.
- كم كانت الأم غافلة عن كل تلك الحوادث ومن أمثالها الكثير الكثير، مع أن الأطباء قالوا لها أن حياته لا يطول أكثر من عشرين إلى خمس وعشرين سنة إن قمتم برعايته بصورة جيدة مع هذا كانت الأم تتخيل موت جميع من في البيت سوى ابنه. لا أدري هل أستطيع أن أسمي هذا السلوك الغفلة أم عدم القبول أو أن سبحانه وتعالى وهو أرحم الراحمين بعباده رفق بها كي لا تفكر ولا تتألم قبل الأوان.
- تذكرتُ حادثة مهمة جداً في حياتي وهي أنني قبل فقدان هذه الجوهرة المكنونة بستة أشهر، كنتُ قد قرأت الوديان السبعة. فالوديان السبعة هي أثر عرفاني جميل، حيث يتفضل من قام بتأليف هذه الرسالة أنه يوضح مراتب السير والسلوك لدى العرفاء أو بعبارة أخرى يوضح ويشرح درجات الترقي الروحاني للإنسان في الكرة الأرضية، وقد جاء ذكر الوديان السبعة سابقاً بكتابة اسم كل وادي في منطق الطير لفريد الدين العطار، ولكنني قرأتها مشروحاً وبصورة بديعة وترتيب جميل يذكر فيها المراحل الانتقالية للترقي الروحاني للإنسان.
عنوان هذه الوديان كالتالي:
الوادي الاول (وادي الطلب)
الوادي الثاني (وادي العشق)
الوادي الثالث (وادي المعرفة)
الوادي الرابع (وادي التوحيد)
الوادي الخامس (وادي الاستغناء)
الوادي السادس (وادي الحيرة)
الوادي السابع (وادي الفقر الحقيقي والفناء المحض)
لقد جاء في مقدمة إحدى هذه الرسالة :
بأنّ السّالك في أوّل سلوكه إلی الله لا بدّ له بأن يَدْخُلَ في حديقة الطّلب. وفي هذا السّفَر ينبغي للسّالك بأن ينقطع عن كلّ ما سوى الله، ويُغمض عيناه عن كلّ من في السّموات والأرض، ولم يكن في قلبه بُغْضُ أحدٍ من العباد ولا حبُّ أحدٍ على قَدْرِ الّذي يمنعه عن الوصول إلی مَكْمَنِ الجمال، ويقدّسَ نفسَه عن سُبُحات الجلال. وله حَقٌّ بأن لا يفتخر علی أحد في كلّ ما أعطاه الله مِن من زخارف الدّنيا أو من علوم الظّاهرة أو غيرها، ويطلب الحقّ بكمال جِدّه وسعيه ليعلِّمه الله سُبُلَ عنايتهِ ومناهجَ مكرُمته، لأنّه خيرُ معينٍ بعباده وأحسنُ ناصرٍ لأرقّائه؛ قال وقوله الحقّ: ﴿الّذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا﴾،العنكبوت 69
وفي مقام آخر: ﴿اتّقوا الله يعلّمكم الله﴾ البقرة 282.
تعلمتُ من خلال قراءتي لهذه الوديان السبعة لكي أسلك في وادي الطلب عليّ أن أتحلى بالصبر ومن ثَم الانقطاع عما سوى الله. فلذا في خلال هذه الفترة الزمنية وهي ستة أشهر كنتُ أرفع أيادي الرجاء إلى عتبة الله المتعال في العشي والإشراق وأطلب منه أن يعطيني الصبر وأن أكون منقطعاً عن كل شيء حتى عن أهلي وأولادي، فو الله لولا عطف الله ورحمته عليّ لما استطعت أن أتحمل فراغ جوهرتي الغالية، وكما وصاني حبيبي الغالي بأن أكتفي بالبكاء الصامت أو الخفي، مراعياً شعور أولادي وفلذات كبدي. ولا زلتُ أطلب من المولى العالمين بهذا الدعاء :
إلهي إلهي أنلني کأس الانقطاع و رنحني بصهباء محبّتک فی محفل التّجلّی و الإحسان و نجّنی من شئون النّفس و الهوی و أطلقني من قيود الدّار الدّنيا منجذبة إلي ملکوتک الأعلى و منشرحة بنفحات قدسک بين الأمآء أي ربّ نوّر وجهی بنور الألطاف و اجل بصری بمشاهدة آثار قدرتک الکبری و اشرح صدری بنور معرفتک العظمی و فرّح روحی ببشاراتک المحيية للأرواح يا مالک الملک و الملکوت و ظاهر العزّة و الجبروت.
كانت هذه لمحة صغيرة من حياة أغلى عطية وهبني الله في الحياة ولا زالت روحه الطاهرة وطيفه يلازمني في كل مكان ، سواء في يقظتي أو منامي. تصوروا إلى يومنا هذا لم يفارقني لحظة واحدة، أحلم به كل ليلة، حتى في النهار عندما استلقي قليلاً لأرتاح وبمجرد ما أغمض عيني أراه كما كان دائماً.
يا رب الرحمن أكرم مثواه وأنزله نزلاً أعددته لخيرة خلقك وأعزة صفوتك ، إنك أنت الرءوف البر العطوف الحنون العفو الودود المنان .
الأسى والحزن الوحيد الذي يؤلم قلب الأم ليس فراغ ابنها الغالي لأنها على ثقة تامة بالكلمات الإلهية وبالمكان الذي يعيش فيه الآن فلذة كبدها حيث تطير روحه الطاهرة في كل مكان وبحرية لم يسبق لها مثيل، لأنها تحررت من الهيكل العنصري للجسم .وإنما تتألم لأنها لم تستطع أن تخدم ابنها البار كما يجب. الآن هي في تمام قوتها بعون الله تعالى و تقوم بخدمة أولادها الثلاثة بكل حب وحنان وتجهد بكل وسعها لإسعادهم.
أجمل ما أنعم الله عليّ هو وجود حفيدي الأول من ابنتي الغالية. الذي يحمل اسم صلاح. سبحان ربي الأعلى أنه ولد جميل جداً. وفي غاية الذكاء . يا إله المستغاث. لديه مكانة خاصة في حياتي، كل شيء كان ينقص في صلاح الابن فقد عوض الله في الحفيد الغالي.
آملة أن تشفع لي روحه الطاهرة في الملكوت الأبهى بالغفران عن قصوري في خدمته. عليك ألف رحمة والغفران ويبارك الله في أخوتك إنشاء الله.
أعزائي آسفة كثيراً إن سببتُ لكم حزن أو تكدر خاطر، فحرام كسر الخواطر أو حزن نفس لأن الله تعالى يأمر عباده بأن يكونوا دوماً سبب فرحة القلوب ببشارات جميلة ويبتعدوا عما يتكدر به صافي سلسبيل المحبة . لأنه سبحانه وتعالى قد خلقنا للوداد لا للضغينة والعناد.
فو الله هذه الصفحات الأخيرة أخذتُ فيها أكثر من أسبوع ، لأنه بعد كتابة فقرة قصير كنتُ أشعر بضعف شديد وألم يعصر قلبي ، لا لشيئ فقط لأن هناك أمهات مرهفات الإحساس ، صبورات على ما ابتلاهم الله به ، ومع العلم بأن البلايا التي تأتي من رب العالمين ظاهرها نار ونقمة وباطنها نور و رحمة .
اللهم أفرغ الصبر الجميل والسلوة على القلوب الحنونة لهؤلاء الأمهات اللاتي لديهن أطفال بحاجة إلى من يمد لهم أيادي الرجاء والأمل.
على أمل الالتقاء بكم في الحلقة القادمة بالتحدث عن الروح الإنساني وجمالها.
حرر في 31 / 10 / 2009م
مع التحيات البهية / أم صلاح
تابع الحلقة الرابعة من حكاية الدُرة الثمينة
أكتوبر 21, 2009نعم فجأة … سكت دقائق قليلة واستغرق في تفكير عميق مرة أخرى وفي ومضة سقط الابن البار والصبور، على طوله أمام طاولة المكتب دون أن يسمع منه أحد كلمة آه ودون تعب وأذية ، حاول صلاح الغالي أن يرفع رأسه عن الأرض ولكنه لم يقدر ، صرخت خالته التي كانت بالحجرة معهما وهي تستغيث ببقية أفراد العائلة والأم المسكينة تستغيث بربها وهي تقرأ عليه ما حفظت من الأدعية والآيات الإلهية وعندما نادته أمه قائلة : لا تتركني يا حبيبي، أرفع رأسك عن الأرض ولو لمرة واحدة فقط ، أرجوك يا قلبي وروحي كلمني، بالله عليك لا تتركني لوحدي… هنا فتح صلاح عينيه الصغيرتين و هو ينظر إلى أمه نظرة وداع وكأنه يطلب منها السماح والرحمة والشفقة وشهق شهقة قوية وهو بين أحضانها ثم أصبح جسماً جامداً، جاء الأب والأخوة وحملوه إلى غرفة الصالة، وعندما شعر بوجود جميع أفراد أسرته الصغيرة حوله فتح عينيه على صوت أمه مرة ثانية فألقى نظرة وداع على كل فرد من عائلته العزيزة بابتسامة حزينة ثم شهق شهقتين وهو بين أحضان والده الحنون وأخوته الأعزاء فطارت روحه الطاهرة إلى الجنة العلياء في ليلة الاثنين الموافق 28 من يناير 2001م في الساعة 45: 11 قبل منتصف الليل عن عمر ناهز 30 سنة ميلادية .
نقلت الجوهرة الثمينة ،حبيب الأسرة وخيرها وبركتها إلى المستشفى العسكري ولكن جهود الأطباء باتت بالفشل لأن القلب توقف عن العمل أو ربما كانوا يهيئون الأم والعائلة بفقدان العزيز الغالي.
فقدت الأم جوهرتها الثمينة إلى الأبد. نعم لقد ضاعت الدرة المكنونة بين حسرة الأم وأحزان الأسرة التي لن تستطع أن تقوم بخدمة ابنها البار سوى ثلاثون سنة . هكذا جاء صلاح العزيز إلى الحياة دون أن يبكى أو يصرخ وودع الحياة الفانية دون صوت ولا عويل. هكذا انكسر ت الصدفة وذهبت اللؤلؤة الغالية إلى جوار ربها.
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ يا إِلهِي، بَعْدَ مَا أَصْعَدْتَهُ إِلى مَيَاديِنِ الهَاءِ عَرْشِ البَقَاءِ وَفنَائِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَبَقَائِهِ بِالنُّورِ الأَعْلَى فِي رَفَارِفِ البَدَاءِ وَوُصُولِهِ إِلَيهِ وَعِرْفَانِهِ نَفْسَهُ وَإِبْلاَغِهِ نوُرَهُ وَإِدْرَاكِهِ جَمَالَهُ سَقَيْتَهُ مِنْ بَدَائِعِ العُيُونِ الصَّافِيةِ مِنْ جَوَاهِرِ عِلْمِكَ الْمَكْنُونَةِ وَأَلْبَسْتَهُ مِنْ رِدَاءِ الهُدَى. وَأَشْرَبْتَهُ مِنْ كُؤُوسِ التُّقَى حَتَّى سَمِعَ نَغْمَةَ الوَرْقَاءِ فِي مَرْكَزِ العَمَاءِ. وَوَقَفَ عَلَى المَنْظَرِ الأَكْبَرِ وَقَامَ لَدَى حَرَمِ الكِبْرِيَاءِ وَاسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الصَّفْرَاءِ فِي البُقْعَةِ الحَمْرَاءِ وَاسْتَغْنى بِكَيْنُونَتِهِ وَاسْتَبْقَى بِذَاتِيَّتِهِ وَشَاهَدَ بِعَيْنهِ مَا شَاهَدَ وَعَرَفَ بِقَلْبِهِ مَا عَرَفَ وَعَرَجَ بِتَمامِهِ إِلَى المَقَامِ الَّذِي لَنْ يَسبْقَهُ أَحَدٌ فِي حُبِّهِ إِيَّاكَ، وَرِضَائِهِ فِي قَضَائِكَ وَتَسْلِيمِهِ فِي بَلائِكَ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ الشَّأْنِ الأَعْلَى وَالمَقَامِ الأَعَزِّ الأَوْفَى حَتَّى نَفَخْتَ عَلَيْهِ مِنْ نَفَحَاتِ قَضَائِكَ وَأَرْيَاحِ بَلاَئِكَ. وَأَخذْتَ مِنْهُ كُلَّ مَا أَعْطَيْتَهُ بِجُودِكَ، بِحَيُثُ مُنِعَتْ رِجْلاهُ عَنِ المَشْيِ وَيَدَاهُ عَنِ الأَخْذِ وَبَصَرُهُ عَنْ مُشَاهَدَةِ جَمَالِكَ وَسَمْعُهُ عَنْ اسْتِمَاعِ نَغَمَاتِكَ وَقَلْبُهُ عَنْ عِرْفَانِ مَوَاقِعَ تَوْحِيدِكَ وَفُؤَادُهُ عَنْ الإِيِقَانِ بِمَظَاهِرِ تَفْريدِكَ وَمَا اكْتَفَيْتَ بِذَلِكَ حَتَّى نَزَعْتَ عَنْهُ خِلَعَ عِنَايَتِكَ وَنَزَّلْتَهُ مِنْ قُصُوِرِ العِزَّةِ إِلَى تُرَابِ الذِّلَّةِ وَمِنْ مَخْزَنِ الغِنَى إِلَى مَكْمَنِ الفَقْرِ وَسَكَنَ فِي بَاطِنِ الأَرْضِ وَحِيدًا غَرِيبًا عُرْيَانًا مَحْرُومًا مَهْجُورًا، فَآهٍ آهٍ عَمَّا قَضَى وَأَمْضَى وَذَلِكَ مِنْ رَزِيَّتِكَ الكُبْرَى.
بشارة الروح ص
31






