التربية الروحانية

{ إن الإنسان بمثابة فولاذ جوهره مستور، فبالتربية والنصيحة والذكر والبيان يظهر ذلك الجوهر عياناً وأما إذا بقي على حاله فسوف يعدمه صدأ مشتهيات النفس والهوى.}

إذن ما هي التربية؟

” التربية هي التي تجعل الإنسان إنساناً،التربية هي التي تجمع الشرق والغرب تحت راية حكم الإنسان، التربية هي التي تروج هذه الفنون والعلوم العظيمة، التربية تجعل الغصن المعوج مستقيماً وتجعل الأجمة حديقة،وتجعل الشجرة عديمة  الثمر مثمراً وتجعل الأرض الشائكة حقلاً للسنابل.والتربية تجعل الجاهل كاملاً، التربية تجعل الإنسان عالماً بالملكوت الإلهي وتجعله ينال معرفة الله وتجعل الإنسان روحانياً وكاشفاً لأسرار الطبيعة ومطلعاً على حقائق الأشياء.”

ولكن التربية على ثلاثة أنواع تربية جسمانية، وتربية إنسانية، وتربية روحانية،

فالتربية الجسمانية هي لنشوء الجسم ونموه وذلك يكون بتسهيل سبل المعيشة وتوفير أسباب        الراحة والرفاهية التي فيها يشترك الإنسان والحيوان.وأما التربية الإنسانية فهي التي يمتاز الإنسان عن الحيوان، لأنها عبارة عن المدنية والترقي والسعادة، يعني السياسة والنظام والتجارة والصناعة والعلوم والفنون والاكتشافات العظيمة…

ولكن ما المقصود بالتربية الروحانية؟

التربية الروحانية هي تربية إلهية فهي تربية ملكوتية، وهي اكتساب كمالات إلهية، وهي التربية الحقيقة، وتعتبر أصل التربية.

وهي عبارة عن تربية القوى الروحية، وإيجاد العشق والحب الإلهي في قلوب الأطفال. أي تقوية وترسيخ الفضائل الإنسانية والكمالات الروحانية في قلوب و أرواح الأطفال بحيث يتقبل الفرد نفسه ويتقبل الآخرون. التربية الروحانية والتربية المادية ضروريتان جداً لنشأة الطفل، ولا يمكننا إهمال أي واحدة منهما على حساب الآخر، كذلك علينا أن نعرف أن التربية المادية تكون في خدمة التربية الروحانية. فلذا يجب أن نهتم بالتربية المادية كي نستطيع أن نهيئ الجو الملائم  للتربية الروحانية.

يعتبر الطفل مصدراً هاماً من مصادر حياة الإنسان فلذا يجب الاهتمام بصحته الجسمية والنفسية والعقلية حتى يتمتع بقوى ذهنية وسلامة صحية جيدة. فهذه مرحلة مهمة جداً حيث يستوجب تعليمه كيف يسخر هذه الصحة والقوة والثروة في خدمة الحقيقة الإنسانية. فمن واجب الآباء والأمهات ألا يجعلا التربية هدفاً للوصول إلى الثروة، أي بمعنى آخر أن لا نربي الطفل كيف يصبح مليونيراً.

أن البنية الأساسية واللبنة الأولى في التربية هي التوجه إلى تربية أطفالنا تربية إلهية، فهنا يراودنا هذا السؤال كيف يمكننا أن نربي أطفالنا تربية روحانية ؟

إن صلاح أي مجتمع مرهون بصلاح بناءه… و لا يُصلح البناء إلا بصلاح اللبنة الأساسية التي يقوم عليها البناء ومدى قوتها وثباتها في مواجهة عوامل التعرية وضربات الزمن… وكذلك بالنسبة لأي مجتمع لن يصلح حتى تصلح هذه اللبنة، مثلاً  الشجرة لن تقوم إلا بجودة التربة وصلاح البذرة حتى تتجذر الجذور الراسخة وتعلو الساق وتخضر الأوراق وتنبتُ الأزهار فتجني ثمارا ناضجة طيبة.وكما أنه لابد من وجود الشجرة فإنه لابد من بقائها على وقفتها لذا فهي بحاجة لمن يسقيها و يتعهدها ويراعي حاجاتها، وحتى يتم البناء ويثبت على أساس قوي لابد من إحكام اللبنة الأساسية، ألا وهي الأسرة. والعناية بالأسرة يبدأ قبل تكوينها، وهذا موضوع آخر.

تبدأ تربية الأطفال وهم أجنة في بطون أمهاتهم،إن الطفل يستشعر حب الله وهو لا يزال في رحم أمه، وذلك من خلال الأم المؤمنة والأب المؤمن ، عندما يمتلئ قلب الأم بخشية الرحمن وتقوى الله فعليها أن تتلو الآيات الإلهية يومياً وباستمرار وبصوت مسموع بحالة من الخشوع ، فإن مشاعرها تنتقل إليه بقدرة الله تعالى، فقد أثبتت الدراسات بأن الطفل وهو في بطن أمه يلتقط لهجة أمه ويستخدم تلك اللهجة حين يبكي.

فعلينا الاعتناء بتربية الأطفال تربية إلهية منذ نعومة أظفارهم عن طريق إلقاء محبة الله و حب رسله وأنبيائه ( مظاهر أمره ) في قلوبهم.

v  تبدأ الأم بارتباط اسم الله في ذهن الطفل الرضيع أثناء إرضاعه وكذلك بعد أن الانتهاء من الرضع.

v  عند نوم الطفل عليها أن تترنم بترانيم دينية جميلة أو الأغاني الشعبية الجميلة التي كنا نسمعها على لسان أمهاتنا. ولابد أن كل منها فيها عبارات أو كلمة الله جل جلاله.

v و في الصباح يستيقظ الطفل على صوت الآيات الإلهية إما بواسطة المسجل أو على لسان أمه و هي تتلو بصوتها الهادئ الحنون.

v عندما يكبر الطفل بالعمر قليلاً تقص الأم عليه حكايات عن الفضائل الأخلاقية على لسان الحيوانات والطيور ومن ثَم قصص الأنبياء والبطولات .( يستمتع الطفل أن يكون بطل من أبطال هذه الحكاية الجميلة، ولكن عليها أن تحذر من القصص والحكايات المخيفة. )

فتأتي طاعته لله وتغرس في قلبه خشية الرحمن، فيعرف الطفل فيما بعد بأن قلبه وفؤاده مملوءة بعشق الله، فيتقبل إطاعة أوامره المنزلة في الكتاب عن المحبة التي تكن في قلبه عن خالقه. فيتحلى الطفل بتقوى الله التي هي بدورها عبارة عن خشية الرحمن. و الخشية عبارة عن الخوف من الله ليس من العذاب أو العقاب وإنما الخوف من الحرمان من رحمة وعناية الله، وإذا حرم الإنسان من ألطاف الله تبارك و تعالى فإنه يكون قد ابتلى بعذاب أعظم من النار.

تحتاج تربية الأطفال لرؤية مرسومة وسياسة مضبوطة من قبل كل من الأب والأم على حد سواه لتمشي بسلام وتسلك الطريق الصائب المؤدي إلى:

-     بلوغ الكمال الإنساني، مع أن الكمال لله وحده، ولكن الإنسان يجب أن يتصف بالكمال باعتباره خليفة الله على الأرض، قال تعالى:

” إني جاعل في الأرض خليفة” وأيضاً ” لنعملن الإنسان على صورتنا ومثالنا”

-                 تحقيق السعادة للإنسان في الدنيا والآخرة.

–     تقبل الطفل القيام بواجباته الشرعية من الصلاة والصيام وبقية الأحكام الإلهية حباً لله وسعياً لطلب مرضاته.

فلذا يجب علينا نحن كوالدين أولاً أن نبذل قصارى جهدنا للتحلي  بالفضائل الإنسانية، ونقوم بأداء فرائضنا الدينية، ونبتعد عن الغيبة والنميمة التي هي من أكبر النواهي، ونكون على استقامة وطول البال فيما نطلبه من أطفالنا، ولا نتأثر ونتهاون أمام طلبات الأطفال، فعندما يرى الطفل والديه على هذه الصورة من الخشية بالله ، فيحتذي بهما وخاصة بأمه، ويرق قلبه وتصير التقوى صفة لازمة له، و تنعكس أشعة محبة الله والعشق الإلهي على وجوه أطفالنا وفلذات أكبادنا، وتبث فيهم روح الحياة. وهكذا تنتقل مشاعر الأم  المؤمنة إلى قلب هذا البرعم الصغير، والطفل المتقي بالله يضع نصب عينيه بأن  غاية الله سبحانه وتعالى من خلق الإنسان و إرسال الأنبياء والمرسلون هي من أجل  هداية الناس إلى الصراط المستقيم  و تربية العباد بالصفات الحسنة وأخلاق الله  لحين عروجهم إلى الرفيق الأعلى يتصفون بكمال التقديس والتنزيه.

فإذن علينا بأن  نكون على اليقين :

” خشية الله هي العلة الأولى لتربية الخلق…”

وبعدما تصبح خشية الرحمن وتقوى الله صفة متلازمة لأطفالنا نكون قد أمنا مستقبلهم، وأدينا دين الله علينا في تربية أطفالنا بالتربية الروحانية، حينئذ يزول عنا الخوف و القلق من مستقبل أطفالنا.

2 تعليقات إلى “التربية الروحانية”

  1. فوزى مرعى يقول:

    المقال عميق وشامل ولولا انك كاتبه واستاذه تربويه قديره ماكان من الممكن ان يكون بهذه السلاسه والايضاح..العناصر متتابعه بتناسق وفى ايجاز مقال بديع ورائع وفقك الله لمتابعة جهودك بالمدونه

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.